ابن عربي

44

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( 93 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 94 ) اعلم أن الخوف من اللّه هو الخوف الأعظم ، فإنه المسلّط وبيده ملكوت كل شيء فأين الأمان ؟ فالإنسان إذا كان في أمان في دنياه وفي ماله وعلى نفسه مما يؤذيه ، فعليه أن يخاف من اللّه مما في غيبه ، مما لا يعلمه ولا يعلم أوانه ، ولو كان الخائف يخاف اللّه مطلقا لتعلق خوفه على دينه ، فإن سبيل الشيطان إلى قلبه ليست آمنة ، كما أمنت السبل الظاهرة التي تمر فيها السفار من الناس . وإذا خاف اللّه شغله خوفه عن ماله ونفسه ، فإنه يخاف على دينه أن يسلبه منه الشيطان ، فالعاقل يجب أن يكون في حال أمنه خائفا من اللّه تعالى ، [ علم اللّه في الأشياء سابق لا يحدث له علم ] وأما قوله تعالى : « لِيَعْلَمَ اللَّهُ » فاعلم أن علم اللّه في الأشياء سابق لا يحدث له علم ، بل يحدث التعلق لا العلم ، ولو حدث العلم لم تقع الثقة بوعده لأنا لا ندري ما يحدث له . فإن قلت فهذا أيضا يلزم في الوعيد ، قلنا : كذا كنا نقول ، ولكن علمنا أنه ما أرسل رسولا إلا بلسان قومه ، وبما تواطئوا عليه في كل ما هو محمود ، فيعاملهم بذلك في شرعهم كذا سبق علمه ، وهذا لسان عربي مبين ومما يتمدح به أهل هذا اللسان ، بل هو مدح في كل أمة ، التجاوز عن إنفاذ الوعيد في حق المسئ ، والعفو عنه ، والوفاء بالوعد الذي هو في الخير . وهو الذي يقول فيه شاعر العرب : وإني إذا أوعدته أو وعدته * لمخلف إيعادي ومنجز موعدي فكان إنزال الوعيد بعلم اللّه الذي سبق بإنزاله ، ولم يكن في حق قوم إنفاذه في علم اللّه ، ولو كان في علم اللّه لنفذ فيهم كما ينفذ الوعد الذي هو في الخير ، لأن الإيعاد لا يكون إلا في الشر ، والوعد يكون في الخير وفي الشر معا . يقال : أوعدته في الشر ، ووعدته في الشر والخير . وقال تعالى : « وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ » فمما بين لهم تعالى ، التجاوز عن السيئات في حق من أساء من عباده ، والأخذ بالسيئة من شاء من عباده ،